هنا حيث السجن.

large

إنّ مايبدو لك من روتين ممل أحيانًا ، هو إن تأملته جيدًا وجدته حياتك البسيطة الأساسية ، و التي تعنيك حقًا كأن تبدو نظيفًا دائمًا ، مرتبًا أينما كنت ، و تتناول غذاءً جيدًا حتى و إن تكرر كثيرًا!

.

لقد أدركت على الفور أنه لم يعد لنا أي خيار آخر . فعلينا أن نتخلى عن مساعينا اليومية البسيطة ، أن ننساها، و ان نقول في سرنا : “الحياة أصبحت وراءنا” أو “لقد اُنتزعنا من الحياة” و ألا نندم على شيء وألا نشكو و ألا نرجو أقل الرجاء. لقد لبثت الحياة عند الجهة الأخرى من السور المزدوج الذي يطوق المعسكر . ولا بَد لنا من أن التخلي عن عادات الحياة  يتطلب دربة و مراسًا ، كأن نتعلم مثلًا أن النهارات و الليالي قد تمازجت، و أنها تتشابه في كفافها المقيت.

تخلينا عن أن نكون كما كنا في السابق : أن نستيقظ صباحًا ، و نحن نفكر في النهار المقبل و المفاجآت التي يخبئها لنا، أن نقصد حجرة الاستحمام و نحدق بوجوهنا في المرآة فتبدو منا تكشيرة استهزاء بالزمن الذي يُخلف ، رغمًا عنا ، بعضًا من أثر على بشرتنا.

نضع رغوة الصابون على وجوهنا و نحلق ذقوننا منصرفين إلى التفكير في أمور أخرى ، ندندن أغنيةً أو نصفر لحنًا . ثم ننتقل إلى الدش نمكث لربع ساعة تحت مياهه طلبًا لمتعة صغيرة ، متعة أن نتلّقى دفقًا من المياه الساخنة على الكتفين ، فيما نفرك أجسامنا بالصابون المعطّر بالخزامى ثم التنشف و ارتداء كلسون نظيف ، و قميص مكوي جيدًا، ثم اختيار البدلة و ربطة العنق و الحذاء ، و قراءة الجريدة مع ارتشاف فنجان القهوة. أن نتخلّى عن أمور الحياة البسيطة و ألا ننظر إلى الوراء.

و ربما لا تهوى التأمّل و لا ترى أن كل هذا أمرًا يُستحق ، لكن هناك دائمًا على الجانب الآخر من هو  عكسك تمامًا.

.

هنا السجين عزيز يتحدث.

وهو يفتقد لضروريات الحياة حتى ، في الظلام كما كان أو كما يقول ” تحت الأرض” .

إنّ الحياة في أبسط حُللها من أمور اعتيادية طبيعية ، مثل ضوء الشمس و لعب الأطفال و الهواء الطلق، الأشجار بظلها و حتى العصافير التي قد تراها مزعجة مثلًأ ، هي أمورًا تُهوى أن ترى كما كان يقول عزيز ، في مكان أشبه مايكون بالمقبرة ، إن الحياة و أسبابها و تفاصيلها الصغيرة السعيدة كانت تغيب عنهم تمامًا ، أو أظن أن الأحرى أن يُقال أنهم غُيبوا عن الحياة تمامًا!

.

تلك العتمة الباهرة : الرواية التي تحكي قصةً حقيقية على لسان السجين : عزيز ، إثر ماحدث للانقلاب العسكري لعام ١٩٧١ في المغرب .

في الخارج ، ليس فقط فوق حفرتنا ، بل بعيدًا جدًا منها، كانت هناك حياة. … لا، الحياة في جمالها اللذيذ ، أقصد بساطتها، و ابتذالها الرائع : طفل ينتحب ثم يبتسم ، عينان تغمزان لتعرضهما لنور ساطع، امرأة تقيس ثوبًا …. الحياة هي أن نتمكن من رفع ذراعنا و تمريرها من وراء قذالنا لكي نتمطى بمتعة ، و ننهض لنسير دون غاية، نراقب الناس يعبرون أو نتوقف ، نقرأ صحيفة أو نلبث ببساطة، جالسين وراء النوافذ لأن ليس لدينا ما نفعله. و هو أمرٌ جميل ألا نفعل شيئًا.

.

.

على هذه الرواية الأكثر من رائعة من أدب السجون .

كانت لي تجربة مع فيلم يحكي “أحقر” تجربة إنسانية بنظري -إن جاز لي التعبير-.

.

و هي تجربة سجن ستانفورد كما عُرّف عنها في ويكيبيديا

“هو دراسة نفسية هامة عنيت بالاستجابات الإنسانية للأَسْر، واهتمت بالظروف الحقيقية لحياة السجن. تم إجراء الاختبار في الفترة ما بين 14 إلى 20 اغسطس 1971 تحت إشراف فريق من الباحثين يقوده فيليب زيمباردو من جامعة ستانفورد. وقد قام بأداء دور الحراس والسجناء متطوعون وذلك في بناء يحاكي السجن تماماً. إلا أن التجربة سرعان ما تجاوزت حدود السيطرة وتم إيقافها باكراً. وكثيراً ما أحيطت هذه التجربة الشهيرة بشكوك من وجهة نظر أخلاقية”.

.

حسنًا للتو فقط ألحظ بأنّ كلا الأمرين حدثا في نفس العام.

عمومًا ، تم الالتقاء بالمتطوعين لهذه التجربة مقابل مبلغ مالي بالطبع ، و سؤالهم بعض الأسئلة والتي لم تعني أي شيء حين تم تقسيمهم إلى حرّاس سجن و سجناء ، و إنما تمّ توزيعهم بالقرعة عن طريق قطعة نقود.

.

كان من أهم هذه الشروط بأنه لا يمكن التعدي تمامًا بالضرب على أي من السجناء  لكن ما حدث كان مزري للغاية و سيء جدًا ، جدًا .

.

و إن كان هناك هدف للتجربة فلا أعتقد بأن الأمر كان على صحة أبدًا.

ونظرًا لسوء الأمر و احتدامه تم إيقاف التجربة بالطبع قبل انتهاء المدة المعنية .

.

قبل يوم واحد من بدء الاختبار قدم زيمباروا الجمل التالية للحراس خلال ملخص:

يمكنكم أن تولدوا إحساساً بالخمول لدى السجناء، ودرجة ما من الخوف، من الممكن أن توحوا بشيء من التعسف يجعلهم يشعرون بأنكم وبأن النظام وبأننا جميعاً نسيطر على حياتهم، سوف لن تكون لهم خصوصيات ولا خلوات. سنسلبهم من شخصياتهم وفرديتهم بمختلف الطرق. بالنتيجة سيقود كل هذا إلى شعور بفقدان السيطرة من طرفهم. بهذا الشكل سوف تكون لنا السلطة المطلقة ولن تكون لهم أي سلطة.
.
و بالطبع كان التأثير سيء على السجناء حتى أن البعض تأثر فعليًا بما يُقال عنه وعن سبب دخوله إلى السجن حتى بدا له و كأن الأمر حقيقة!
 .
تعرض السجناء للكثير من الإهانات و الضرب و كان على ذلك آثار نفسية بالطبع رغم أنهم و كما يُقال لم تكن طويلة المدى!
 .
خلاصة الاختبار أيضًا من ويكيبيديا
يعتبر هذا الاختبار عرضاً لأنماط الطاعة والانصياع التي يبديها الناس عندما يتعرضون لنظام أيديولوجي يحظى بدعم اجتماعي ومؤسساتي. لقد تم توظيف هذا الاختبار لتوضيح وفهم معالم قوة (السلطة)، وتبدو نتائح هذا الاختبار متوافقة مع اختبار أخر أجراه (ميلغرام) وسمي باسمه، وهو كذلك من حيث أنه يدعم فكرة ((التنسيب المكاني)) التي تقول بأن الوضع أو الواقع هو الذي سبب سلوك الأفراد في الاختبار أكثر من أي شيء موروث في شخصياتهم.
.
و بالنسبة لي ، فإنّ محاولة شخص على تلقينك شيء ما بتكرار دائم عن نفسك  مثلًا : ” أنت سيء في …” ، ” أنت لا تصلح لـ..” هي مثلها مثل بقاءك تحت ضغط سلطة ، مهما بدا الأمر هينًا ولا يعنيك ، فإن تلك الكلمات تستقر في عقلك اللا واعي لتبدأ بالتغلغل بداخلك . كثيرًا ما يُقال تجنّب السلبيين ، لكن عليك تجنّب كل شخص يخبرك بأنك لا تستطيع ، لا تقدر ، لن تكون ، حتى و إن كان شخصًا مفعمًا بالإيجابية مدعيًا بأنه يعرفك جيدًا !
.
الأمر يؤثر ، لذلك ان استوجب الأمر أن تعيش مع هؤلاء الأشخاص فإما عليك أن تصمتهم أو أن تتجاهل كل هذا و تقنع نفسك بالعكس تمامًا .
.
بقاءك في نقطة ما لأن الآخرون لا يعتقدون أنك تستطيع تجاوزها ، سيثير فيك الدهشة قبل أن يثيرها فيهم حين تتعداها ، حين ترى أنك استطعت ، و أنك استمعت لنفسك.
التلاعب العقلي وارد ، و عليك ألا تقف أمامه بانهزام.
.
مخرج من السجين عزيز
مضت خمسة أشهر ولا أزال أجد مشقة في التعوّد على الرفاهية و الأمور اليسيرة المنال . عندما أدخل الحمّام أقف لوقت طويل مستغرقًا في تأمل الصنابير بإعجاب. أنظر إليها ولا أجرؤ على فتحها. كنت أتحسسها مثل أشياء مباركة و أدير مفاتيحها ببطء و طول أناة.
المقالة التالية
أضف تعليق

2 تعليقان

  1. جميل التدوينة حنان ..
    تذكرت كلام لشخص له علاقة بمرضى في مستشفى للأمراض المزمنة ..يقضون جُل حياتهم على سرير المرض… يحكي انه حين نتحدث مع أحدهم عن قائمة أمنياته وماذا يود فعله إذا خرج من المستشفى ، تتفاجأ أن لا إنجازات كبيرة بينها… كتحصيل شهادات علمية وإكمال الدارسة لاشيء من هذا .. بل كانت قائمة تجمع أشياء بسيطة روتينية جداً .. كـ” خَبز كوكيز في ليلة شتوية” “تغليف هدية لصديق” “رائحة منزلي واستعداداتي قبل مجيء الضيوف” .. وهكذا سعادات صغيرة ..

    رد
    • بالفعل هناك أمور حياتية قد نراها روتين اعتيادي بينما هي من تضفي المعنى لها <٤

      سعيدة بقراءتك نورة

      رد

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

  • لخدمات الكتابة

    askfmm

  • قناة تيلقرام

    askfmm
  • للمشاركة في التدوين

    askfmm

  • للتواصل

  • سأكون سعيدة بوضعك لبريدك الإلكتروني لتشاركني القراءة متى ما نُشرت التدوينة!

  • Follow on WordPress.com
  • التصنيفات

  • الأرشيف

  • تدوينات قد تلهمك!

  • مرّ بمدونتي

    • 117,617 صديق
%d مدونون معجبون بهذه: