مرحلة الدكتوراه: ﴿ وكان فضل الله عليك عظيمًا ﴾

يا مرحبا،

لهينا وانشغلنا وقررنا أن نكون في فترة راحة إلى أن نعود في حال أفضل. مايقارب السنة من الغياب، سنة ملحمية ومليئة بتفاصيل لم أشارك منها سوى القليل. نحن نختار ما نفضّل مشاركته، وإن تفلت منا بعض مالا نريد. قبل البدء، أنصحك فعلًا بإعداد مشروب مفضّل مع هذه التدوينة، هي قصة قصيرة وإن كانت على قلبي ومشاعري طويلة جدًا ومكللة بالكثير!

جئت أشارككم رحلة طويلة، بدأت بدون تخطيط كامل، حيث أنهيت مرحلة الماجستير بفضل الله وقررت أن أؤجل الدكتوراه قليلًا لعدة أسباب شخصية. عمومًا اتضح لي حينها أنه ليس خيارًا واردًا فقمت بالتقديم للدكتوراه بنفس جامعتي قبل المناقشة الرسمية بعدة أيام، وفي قرارة نفسي أعلم أن كل هذا متأخرًا وأنني لم أقم بالتقديم لعدة جامعات لذلك لا أحمل الكثير من التوقعات. أثناء فترة انتظار القبولات تلقيت عدة مقابلات مع مشرفين محتملين بطلب منهم بالإضافة لمشرفي الأساسي. تناقشنا فيه عمّا يمكننا عمله، وماهي الخطة التالية. ونظرًا لأنني قمت بعمل رسالة مسبقة في الماجستير، وهو ما جعل الرحلة نوعًا ما أطول وأثقل، كنت أميل بالطبع لأن استكمل على مابدأت به.

بعد عدة أيام قليلة تلقيت خبر قبولي بفضل الله، وقبل كل شيء لم أقم بخطوة قط بدون استخارة بالطبع. بدأت بالإجراءات مع عملي للابتعاث، ورغم أن الأمور كانت مستتبة نوعًا ما، إلا أنه هناك أمور أوقفت ذلك وعلمت بأنه لا بد من التأجيل. هذا النوع من الأحداث تكرر معي مسبقًا، ويحدث أن يحصل معه بعض الإحباط فأنت لا تملك توقعاتك ولا تلبث أن تبدأ بإعداد نفسك حتى تعود من جديد لنقطة الصفر. آمنت بالله وأنّ كل أمره خير، وسألت نفسي أليس هذا ماكنتي تريدينه؟ ولست أذكر من الإجابات سوى أنني كنت أحاول أن أحافظ عل حالة الرضا والقبول.

العجيب فيما بعد أنّ وقبل الدراسة ببضع أيام بدأت الأمور تتيسر بشكل عجيب ومن غير سعي مني، وتحدد كل شيء في يومين تقريبًا. ونعم هذا نفس السيناريو الحاصل معي في المرحلة السابقة، أعتقد أنها رحمة ربي تحف بي لأنّ دموعي لا تتوقف عن الانهمار في كل مرة، مما يعني أنه يومين أفضل من عدة أشهر! لا يوجد استعدادات مسبقة، حزمت ما يمكن من أمتعة يمكنني استخدامها وماينقص عليّ سأعود لشراءه أو إرساله لاحقًا. هذا العالم متصل أكثر مما نتخيل.

رحلة الذهاب لم تكن يسيرة على قلبي، كل الرحلة عبارة عن دموع، ونوم وأعتقد أن النوم كان أهدأ لي من البكاء. لا أحد يتخيل ما يحدث في قلب المرء في كل مرة يعود لغربته. الغربة التي لا تقل عن ١٦ ساعة طيران، والتي تصعّب من إمكانية الذهاب والعودة في فترات أقصر.

عند الوصول، قررت أن أركز على ما بيدي، عليّ أن أعدّ كل شيء من جديد، السكن وكل مايخصه من أثاث وتسجيل المواد والحضور فورًا من الغد، التجهيزات التي تخص بريدي والمعاملات التي تخص تواجدي في هذا البلد والجامعة وكل شيء، والأهم من ذلك رحلة البحث عن سيارة من جديد. أهم وأصعب فقرة في أمريكا بالنسبة لي.

التركيز فيما لديك الآن نعمة عظيمة، نعم مشاعرك مازالت موجودة لكنك تعمل مابوسعك. بعد تسجيل المواد تغير توقيتها كالعادة وأصبحت مسائية هذه المرة، وسيصادف هذا الفصل رمضان. أحد الدكاترة -لنفترض اسمه ج- الذي أتممت معه مقابلة طلبني في مشروع مبدئي واجتماعات أسبوعية ثابتة، في تقنية جديدة لا أفقه فيها شيء. ومشرفي السابق، خططت معه بعض الأمور وبدأت بالعمل من جديد.

كانت مواد الفصل الدراسي هذه جديدة عليّ لكنني على الأقل في اثنتين منهما وجدت نفسي كثيرًا، كنت أحد المشاركين بكثرة وكان شعوري جيدًا ويغلب على كل شعور آخر. الأمر الوحيد الذي يؤرقني هو أنني أنتهي بعد الثامنة مساءًا من المحاضرات وأعود مشيًا لمدة ٢٥ دقيقة، المدينة في الليل لا تشبه شيئًا في النهار، هدوء تام وعتمة، أحاول أن أقترب من أي مجموعة تسير سويًا، وفي رمضان كان الأمر أثقل عليّ، ولا أعلم لمَ تحديدًا قضيت النصف الأول منه لا أخذ معي سوى الماء، بديهيات أتعجب من نسياني لها بعض الأحيان!

كل شيء كان على مايرام، وكنت أعمل مع أحد الدكاترة مما يعني دخلًا إضافيًا لي وشعورًا أفضل الحمدلله. مرت ٤ أشهر ولم أجد سيارة بعد، ثم خلال يومين كل شيء تيسّر وذلك قبل الصيف بما يقارب شهرًا أو أقل! عدت لزيارات الأماكن التي أحب، وذهبت لمكتبات الولاية في عدة مدن لأجدد اشتراكي، الأمور بدأت تختلف عليّ لأنني في ولاية مواصلاتها العامة آنذاك ليست بأفضل شيء.

أعمل على بحثين أحدهما باعتباره رسالة الدكتوراه والآخر مشروع مبدئي مع جهة عملاقة لكنه أبعد ما يكون عن ميولي واهتمامي، لم أرفض الفرصة لأنني أحب التعلم وهذا أمر مسلمٌ به عرفته منذ عرفت نفسي. لكن شعور الخروج عن منطقة الراحة وأنت بالفعل خارج عنها بكثير مرهق جدًا، انضمت إليّ زميلة أخرى ولنفترض اسمها عرفة، في نفس المشروع لكنه كان جلّ ميولها وقررت أن تكون مع هذا المشرف لرسالة الدكتوراه الخاصة بها.

كلانا كنّا بدأنا هذا البرنامج سويًا، باختلاف أنها وبعض الطلبة بدؤوا بالدكتوراه بدون ماجستير، وهذا يعني فقط أنه مطلوب منهم ساعات دراسية إضافية، أشبه بدمج للمرحلتين، لذلك نلتقي سويًا بالمواد الأساسية ونتناقش عن تقدمنا في ما نعمل باستمرار، هذا الفعل رغم بساطته كان يخفف من ثقل هذا البحث لديّ.

كما أخبرتكم مسبقًا بالأحداث كل شيء كان متتاليًا منذ بدايتي للمرحلة، وحين بدأت كان كل شيء قد بدأ ولا مجال لأن أتوقف لأستوعب! لذلك كانت فرصتي في الصيف واخترت أن أكون في مكان حيّ للغاية ومليء بكل شيء، وتيسرت لي رحلة نيويورك مرة أخرى بفضل الله، ظللت أعدّ قوائم لكل شيء أريد زيارته، وقلت في نفسي سأتجول المدينة بكل ما أوتيت من استطاعة وما أستطيع زيارته سأزوره من غير فرضٍ مني على أن أذهب لمكان معين بالتحديد، الخريطة عندي ممتلئة بالقوائم وكل زاوية أرى فيها ما أريد، شعور رائع وعظيم جدًا.

كان صيف ٢٠٢٣ ممتاز للغاية، أخذت إجازة لمدة ١٠ أيام لأنني تعلمت أنّ لا صيف لي منذ بداية الدراسات العليا سوى بضع أيام، ونعم الأمر يختلف من شخصٍ لآخر وأنا أروي تجربتي فقط. قررت أن أغلق عيناي وأذناي عن كل شيء سوى ما أحب، كانت رحلة رائعة بكل ماتعنيه الكلمة، تجاوزت خطواتي اليومية ضعف ما أمشيه بالعادة وأكثر. كنت سعيدة جدًا، كل شيء ينبض بالحياة فيني، زرت عدة متاحف والكثير من المكتبات، وأماكن ترفيهية أحبها، وتسوقت لجميع أحبتي وقتها. كل قهوة أخذتها كانت مميزة وكل وجبة كانت لذيذة جدًا، وتوصياتي في نيويورك لا تكاد تخيب.

عدت للوطن في الصيف وعدت للعمل من جديد على أبحاثي، ولست أمانع لأنّ للمرء خطط، أليس كذلك؟ لكن اتضح أن هناك لبس كبير فالمشروع الآخر اتضح لي أنه الدكتور ج طلبني أن أعمل معه فحسب وأن أكمل رسالتي للدكتوراه تحت إشرافه. ورغم قبولي بالمشروع معه إلا أنني لم أفكر قط في إكمال رسالة كاملة في مجال لا أفضله، كنت أمر بمرحلة حرجة نوعًا ما مع مشرفي كذلك رغم تفهمه التام. أكملت الصيف في العمل على الاثنين، لكنني ببداية الفصل التالي اخترت في الأخير أن أتوقف عن العمل مع الدكتور ج بعد إيضاح اللبس الحاصل.

سجلت موادي الدراسية للفصل الجديد، والتي كان من المتوقع فيها أنني أنهيت كل المواد الأساسية وبعدها يخف ضغط الموضوع عليّ. لكن كما جرت العادة بعد بدء الفصل الدراسي تم تغيير بعض المواد وأُلزمت بحذف مادة وإضافة مادتين أخرى بحثية بحتة، وكان هذا أكثر عدد ساعات أخذته منذ بدأت رحلة الدراسات العليا. هذا الفصل كان ضغط عالي جدًا، متطلبات كثيرة بطبيعة الحال، ماذا لو كان هناك مواد بحثية أخرى؟ إحدى المواد كان مع الدكتور ج والذي قد خشيت أن يتحول الموضوع لشيء شخصي، لكن كل شيء كان مهنيًا للغاية، ومرهقًا كذلك!

أعمل لساعات طويلة ممتدة لـ١٢ ساعة من الجلوس المستمر في المنزل فقط! ونعم تسببت بمشكلة في ظهري آنذاك، ندمت؟ بلا شك. لا شيء يستحق أن تهدر صحتك من أجله، كان ألمًا صعبًا لم أستطيع التحرك من السرير لعدة أيام، وبدأت بعدها بالعلاج الطبيعي مباشرة. فتخيل ضيق الوقت مع كل شيء آخر، قمت بعدة تغييرات في ذلك الفصل على مستوى روتيني ونمط حياتي. التزمت تماريني وأضفت يومًا خاصًا للشوي، وضغطت نفسي في مشي خطواتي اليومية وإن أثر ذلك على عدد ساعاتي الدراسية، حاولت دمج عدة مشاريع من مواد مختلفة في واحد كنوع من الكفاءة وتخفيف عبء العمل عليّ، وحولت كل جولات المقاضي المنزلية لطلبات استلام عند المحل وأضمن بذلك ساعة أو ساعتين للتنزه. كل محاولاتي مشكورة وجهدي واضح، لكن هذا لا يعني أن الضغط اختفى خصوصًا أنني اخترت العمل أيضًا هذا الترم.

كنت قد ارتجلت للمرة الأولى في الدكتوراه بعمل عرض يخصني، فاجأني الدكتور بطلبه وأعددت كل شيء في سبع أو عشر دقائق كانت بينما أحد الزميلات تشرح. كانت الأسئلة الموجهة لي دقيقة جدًا وكنت أجيب وأحاول تدارك الموقف قدر الإمكان بكل أريحية ممكنة، أعتقد أنني وقتها اكتشفت جوانب مختلفة مني. هذه ليست أول مرة أرتجل بها، ولكن الموقف يختلف. أعددت في محاضرة لاحقة عرض آخر، بتفاصيل أكثر عن بحثي، وكنت أفضل بكثير في الإعداد لكل جانب، إلا أنني في المرتين وضحت ثقتي وفهمي بما أعمل. ونالني من الثناء -بفضل الله- مالم أحسب له. خلال هذا الفصل كان مطلوب مني عدة عروض مع جهات ضخمة لأتحدث عن بحثي الحالي وبحثي بالماجستير، لتقديم الدعم فيما يخص كلما أحتاجه خلال العمل، كل هذا كان إضافات تحدث بين هذا وذاك.

حصلت لي فرصة التطوع في نهاية الفصل الدراسي تقريبًا بطريقة عجيبة، وقبل إقفال الموعد بساعة تقريبًا وبدأت فيها فورًا. كانت من أجمل الفرص بالنسبة لي في أحد المؤتمرات ومنها استطعت حضور عدة ورش. ممتع جدًا شعور أن ترى الجميع يأتي من كل دول العالم للتعلم والإثراء! لكن نقطتي هنا على فكرة التكرار في أن تتيسر أمور بوقت قياسي وبفضل الله، لا شيء آخر. وكيف أننا قد نسعى في أمور كثيرة وتتعرقل أو تتأخر ثم تأتي في وقتها كما كتبها الله من غير نقصان!

أحد المتطلبات بنهاية هذا الفصل الدراسي هو Qualifying Examination وهو أكثر ماكان يثقل كاهلي للأمانة، حاولت فهم الموضوع من تجارب الطلبة السابقين لكن كان كل شيء تقريبًا تغير منذ ترم. لذلك بمجرد نهاية الفصل الدراسي كنت أعددت خطة مجدولة بما يمكن دراسته، وبدأت. وكانت هذه أثقل فترة تقريبًا منذ بدأت الدراسات العليا وحتى انتهيت. عدت للأسف للجلوس الطويل، كل شيء يحتاج مني كتابة وتحليل وحل معادلات وأمور كثيرة لا يمكنني عملها بالمشي مثلًا، فترة نهاية السنة في أمريكا وفي مدينة صغيرة تحولت لمدينة أشباح، لا يوجد أحد. كل شيء فارغ، كل العوائل تجتمع في هذا الوقت لذلك تبدو الأماكن خالية وموحشة جدًا. حتى المشي في الحدائق رغم عاديته أقرب مايمكن لفيلم رعب لخلو الأماكن، وأغلب الأحبة من السعوديين آنذاك كانوا في رحلات يقضون فيها بعض الوقت بعيدًا عن الدراسة، شخصيًا وحسب الخطة لا أملك تلك الرفاهية، كل مايمكنني عمله هو الخروج لبضع ساعاات متفرقة بالأسبوع، وقد عقدت مع نفسي صلحًا منذ وقت ليس بالقصير أنه هناك فترات تستلزم مننا بعض التغيير والتضحيات ولا بأس!أحد المتطلبات بنهاية هذا الفصل الدراسي هو Qualifying Examination وهو أكثر ماكان يثقل كاهلي للأمانة، حاولت فهم الموضوع من تجارب الطلبة السابقين لكن كان كل شيء تقريبًا تغير منذ ترم. لذلك بمجرد نهاية الفصل الدراسي كنت أعددت خطة مجدولة بما يمكن دراسته، وبدأت. وكانت هذه أثقل فترة تقريبًا منذ بدأت الدراسات العليا وحتى انتهيت. عدت للأسف للجلوس الطويل، كل شيء يحتاج مني كتابة وتحليل وحل معادلات وأمور كثيرة لا يمكنني عملها بالمشي مثلًا، فترة نهاية السنة في أمريكا وفي مدينة صغيرة تحولت لمدينة أشباح، لا يوجد أحد. كل شيء فارغ، كل العوائل تجتمع في هذا الوقت لذلك تبدو الأماكن خالية وموحشة جدًا. حتى المشي في الحدائق رغم عاديته أقرب مايمكن لفيلم رعب لخلو الأماكن، وأغلب الأحبة من السعوديين آنذاك كانوا في رحلات يقضون فيها بعض الوقت بعيدًا عن الدراسة، شخصيًا وحسب الخطة لا أملك تلك الرفاهية، كل مايمكنني عمله هو الخروج لبضع ساعاات متفرقة بالأسبوع، وقد عقدت مع نفسي صلحًا منذ وقت ليس بالقصير أنه هناك فترات تستلزم مننا بعض التغيير والتضحيات ولا بأس!

للتوضيح، مع كل هذا كنت لا زلت أعمل على رسالتي وبدأت بتدريب طالبتين كذلك، لذلك ونظرًا للأحداث من بعيد كل شيء يوضح لك أن هناك احتراق دراسي قادم لا محالة. أتذكر أحد الأيام، قررت الخروج للمشي رغم وحشة المدينة في هذا الوقت، كان قد هطل مطر قبل سويعات ولطالما استبشرت روحي بالمطر كونه وقت إجابة. خرجت بعد توقفه للمشي، والمكان يبدو خاليًا من البشر، أعتقد أنه يوم يسبق عيد الميلاد عندهم بيوم أو يومين. لذلك لا شيء مستغرب هنا، كنت أمشي وأدعي وأتأمل المكان كيف يبدو فارغًا، أطلّ للبحيرة تارة ومن ثمّ أتأمل السماء تارة، قررت العودة للمنزل. وفي اتجاهي للسيارة هطل المطر بغزارة شديدة، جلست عدة دقائق في السيارة وروحي في شدة ابتهاجها، كنت أدعي وأنا مبتسمة وكأنني أرى نتيجة الاختبار، ظلّ المطر يزداد فأخذت مظلتي ونزلت أمشي مجددًا منتشيةً من السعادة، كل مافيني مستبشرًا بالخير، رغم الخوف الذي كان بداخلي. ظللت أمشي حتى هدأ كل شيء بعد عدة دقائق وغادرت المكان بشعور ليس له مثيل!

بعد شهرين من كل هذا، بما فيها أسبوعين دراسة أو ثلاثة تغيبت فيها عن المحاضرات إلا اثنتين بالكثير. والأسوأ بعدم وجود أحد هو العزلة عن العلاقات. جاء يوم الاختبار، ووقت الحقيقة، كنت على أعصابي لمدة طويلة والأفضل لوضع مثل هذا أن تكون في وضع أقل توترًا. ورغم جهودي في أن أخصص وقتًا لي بالفترة الماضية إلا أنني صعب أن يخفى على جسدي حجم التوتر الذي أضعه عليه، استيقظت مبكرًا واتجهت للاختبار الساعة السابعة وربع تقريبًا، حيث يبدأ الاختبار ثمانية، كنت أسير مشيًا على الأقدام لقرب مقرب الاختبار وبداخلي أقول هذا أمر جيد السير قليلًا قبل الاختبار، كنوع من تخفيف وطأة الأمر عليّ. وصلت للمكان ووضعت حاجياتي ثم خرجت مجددًا للمشي كنوع من التخفيف. عدت للقاعة وبدأ الاختبار مدته تقريبًا ٤ ساعات يتخللها ١٥ دقيقة للراحة، كانت أكثر ٤ ساعات سريعة وثقيلة في الآن ذاته، لم أخرج وقت الاستراحة لكنني خرجت مرة واحدة لمدة ٣ دقائق أو أقل. كنت أقرأ الأسئلة وأتصفحها سريعًا أحاول التركيز فيما أبدأ بالضبط ومالذي أشعر بأنني سأستطيع عمله أولًا ومن ثم التركيز فيما تبقى، أعتقد غلبني التوتر في أول عدة دقائق، ظللت أعيد خطوات التنفس العميق على ذاتي وأحاول طمأنتي. وما أربكني حقيقة أنه بعد أقل من نصف ساعة تقريبًا كان هناك تصحيحات لعدة أخطاء في الأسئلة، كنت أحاول التركيز في الورق ومن ثم قطعني هذا التصحيح، فعدت لأحاول كتابة مايريدوننا تعديله واستمر الأمر بضع دقائق كذلك. كتبت كل ما أستطيع كتابته، وخرجت على الوقت أحمل مشاعر كثيرة، نعم كنت أريد أن أنهي هذه الخطوة الثقيلة، هذا الفصل من الدكتوراه، لكنني لست أعلم إن كنت أنجزت ماهو مطلوب لتجاوز الاختبار، ذهبت للمنزل للصلاة، وفي الطريق شعرت بأن حاجياتي ثقيلة جدًا، لا أستطيع حملها أبدًا. نعم، نفس المسافة التي قطعتها في الصبح أصبحت غير ممكنة الآن وأعتقد أنه أثر الشعور. فكرت في العودة بسيارة رغم أنه المسافة بها لن تتجاوز الدقيقتين، لكنني قررت أنه أفضل لي -نفسيًا- لكنني حين بحثت وجدت أن عليّ الانتظار مايقارب الربع ساعة، وأصبح المشي مثقلًا بمشاعري وأغراضي أهونّ علي من الانتظار مثقلًا بهما.

بعد الصلاة، خرجت للقهوة وتناولت الغداء خارجًا، كنت أحاول ألا أفكر في الموضوع فما مضى قد مضى وعليّ أن أتدارك ما فاتني في المواد في هذه الأسابيع، فهذه المرة الأولى في حياتي التي أتغيب فيها بهذا الشكل وبدون تقديم أسباب. ربما لأنني أعلم يقينًا أنّ كل قسمي يعلم ما نمر به أنا ومن معي بالمجموعة، وأظنني افترضت أنه سيكون لنا مراعاة خاصة وقد حدث. بالرغم من أنه درست في هذا الفصل واحدة من أصعب المواد بالإضافة لغيرها، إلا أنّ كل ما بداخلي سكن بعد الـQualifying Examination كنت أنتظر النتيجة فحسب، وأقول لنفسي كل شيء آخر سيكون بخير. كنت أكمل ما أكمله في رسالتي وفي الوقت ذاته أعمل أيضًا. كل مايخص هذا الاختبار ماسبقه وما يليه، كان ثقيلًا عليّ، لكنني لسببٍ ما أتذكر جيدًا من من أحبابي كان حولي باستمرار، بعد الله كان هذا الأمر يهوّن علي كل ثقيل. العلاقات الطيبة كنز!

عدت الأيام، وتأخرت النتيجة عن العادة إلى يوم سألت عرفة إحدى الزميلات، هل ظهرت النتيجة بعد؟ كان يوم خميس أتذكر ذلك جيدًا. أخبرتني بأنه نعم وأنها اجتازت. ذهبت لأتصفح بريدي وحسابي بموقع الجامعة لكن لا شيء هناك، سألتها مجددًا هل تمزحين؟ قالت لا، مشرفي ج أخبرني بالنتيجة وقال لي ألا أخبر أحدًا حتى تظهر للجميع. ومن ذلك الخميس حتى يوم الإثنين، لم يتبق نشاطًا لم أفعله، خصصت يوم الأحد بالذات لعمل نشاط جديد فكل أحد كان يحمل لي مغامرة مختلفة، ومع ذلك لازلت أفكر بالنتيجة. هاتفتني صديقة بالتخصص من نفس القسم، كانت قد أنهت اختبارها قبل سنة، بكيت كثيرًا في المكالمة بلا سبب، أو بسبب أنني فعلًا أنهكت ذاتي! ظلت معي على الهاتف، أخبرتني بأنها ستبقى بالخط معي إلى حين أن أريد، هدأت بعد عدة دقائق وقررت النوم. واستيقظت يوم الإثنين متوجهة لمحاضراتي من جديد، كان يليها اجتماع مع مشرفي أنهيت المحاضرة متجهة لقاعة الاجتماعات وبالطريق يصلني بريد سعيد للغاية، ومن أفضل لحظات المرحلة، غمرتني دموع الفرح فقد اجتزت الاختبار، نعم اجتزت بتوفيق الله وفضله. أرسلت لأهلي البشارة، والتقيت أحد الزميلات العزيزات أمامي، ممن تشاركنا سويًا المشرف ذاته، عانقتني وباركت لي واتجهت أكمل طريقي واتصالات العائلة تصلني، أخبرني المشرف أنه الاجتماع مؤجل وأنّ عليّ الخروج للاحتفال، وهذا أفضل ما فعلت!

عدت للمنزل أسجد شكرًا وحمدًا، شاركت أحبتي الخبر وحجزت في مطعمي المفضّل للاحتفال. خرجت اليوم كله وعدت للمنزل بشعور مبتهج للغاية. كما قلت عن هذا الفصل، يحمل أحد أصعب المواد، لذلك رغم وجود مواد أخرى لم أكن أفكر بالكثير، كل ما يجول ببالي هو أنني أريد الهدوء والسكينة، روحي تحتاج لذلك. كنت منهكة للغاية، وجهودي لا تظهر بتلك النتيجة، لكنني واصلت وكل ماكان يهوّن عليّ أن رمضان آت، وكان ذلك من أحبّ المواسم لقلبي. كنت أعلم أنني مرهقة للغاية وأسعى لعمل مايمكن عمله بدون أن أجهد ذاتي، أعتقد أنني كنت في قمة الاحتراق فعليًا. أتى الصيف، واستمر عملي على رسالتي كالعادة، ربما أخذت أسبوعًا فقط هذه المرة، عدا ذلك كنت في أسوأ وضع مرّ علي منذ بدأت. ابتعدت عن كل شيء افتراضي لعدة شهور، وبدأنا جزء جديد من المرحلة كان من المفترض فيه أن أنهي كل موادي فيه، والتغيير الحاصل هذه المرة هو عدم تواجد شخص لتدريس هذه المادة وتم حذفها من جميع الطلبة.

كنت مستاءة لأنني أريد التركيز على بحثي، ما أقوم به منذ بدأت هو الركض هنا وهناك، وهذا الأمر مرهق. لكنني قلت كما العادة لعله خير! وكان خيرًا كثيرًا، اضطررت أن أسجل في مادة من خارج القسم بالإضافة للمواد البحثية، والتقيت بدكتورة رائعة في المجال، كانت محاضرة مسائية تبعد أكثر من ٤٠ دقيقة مشي، لكنه على الأقل هنالك وفرة في المواقف أمام المبنى مباشرة، وهذه أول مرة أحتاج فيها للذهاب والعودة بالسيارة. كانت تجربة مختلفة ولعلي احتجت فيها أن أدرس شيئًا بعيدًا عن مجالي. واليوم أنظر للوضع وأحمد الله، لا أعلم مالذي كنت سأفعله لو أنني أخذت فعلًا مادة أساسية ذلك الفصل. روحي كانت تحتاج لنوع من التغيير قليلًا!

كل فصل منذ بدأت يحمل معه نقاط أخرى مفصلية، فهنا فصل آخر يحمل فيه Comperhensive Exam: written and Oral و Prospectus ورغم فهمي للموضوع ممن سبقني، إلا أنه اتضح لي لاحقًا أنه من الممكن أن تختلف بعض المتطلبات، فمثلًا طُلب مني أن أراجع أوراق بحثية وأقيمها. كانت تجربة أولى مميزة، رغم الرهبة إلا أنها فعلًا تضيف لك. وبالمناسبة هذا الفصل كان يحمل آخر موادي الأساسية والتي تأجلت كثيرًا من قبل القسم، وكانت تقريبًا أصعب مادة تمر عليّ! أظن أنه توقيتها مناسب جدًا، صحيح أن هنالك نقاط مفصلية للتركيز عليها لكن وجودها بدون مواد أخرى منحني وقت أفضل فيها. عملت هذا الفصل أيضًا، ورغم كل شيء إلا أنني كنت بحال أفضل بكثير مما كنت عليه بثاني فصل دراسي، كل شيء كان على مايرام لكنني عدت للعلاج الطبيعي من جديد بسبب انكبابي الشديد على الكتابة في الرسالة. أيضًا رغم إنجازي -الحمدلله- لجزء كبير من المحاكاة التي أعمل عليها، إلا إنه تم اقتراح جوانب إضافية للعمل لم تكن بالخطة.

أكملت الكتابة طوال الصيف وأكملت ما يمكن إكماله في المحاكاة، وعدنا من جديد للدراسة، الجهود مكثفة لكن رفيقاتي في رحلة التخرّج سافروا وانتقلوا لبلدانهم جميعًا عدا واحدة تقريبًا، مناقشتنا في نفس الفصل، وانتقلت كذلك لمدينة أخرى للعمل إلى حين موعد المناقشة، وجود مجتمع يساعدك في المرحلة مهم جدًا، سأعود لأفصّل في هذه النقطة، لا زلت ألتقي ببعض الزميلات في المرحلة لكن لكوننا التقينا في فصول مختلفة من رحلة الدكتوراه فمتطلبات الرحلة تختلف وبالتالي انشغالنا وتواجدنا مختلف تمامًا. أحاول تسليم المهام وما انتهيت منه كل مرة على الفور وأعمل على تجهيز ونشر الأوراق البحثية في الآن نفسه. أعلم تمامًا أنني أعمل فوق طاقتي في هذا الوقت لكنني أفكر في الإنجاز وإنتهاء المهام أكثر من شعوري الحالي، كل شعور داخلي في هذه الفترة كان يحثني على ألّا أركّز على التعب قدر الإمكان، لأن تكلفة التوقف في هذا الوقت ستكون عالية! انتهيت قبل المناقشة من تسليم ورقتين، ولازال العمل على الثالثة، رغم أنّ الأولى فقط تم نشرها إلى حين موعد المناقشة. رتبت كل التواريخ وقدمت موعد التسليم وتوكلت على الله، هنا اللحظة المنتظرة.

أعددت نفسي وقمت بتجربة أولى لشرح عملي مع مجموعة من الزميلات بالإضافة لمشرفي، رتبت كل ما أحتاجه لليوم الموعود كذلك وأرسلت الدعوات لكل القسم حتى أنني حجزت في مطعمي لمساء ذلك اليوم. في الصباح الباكر ليوم المناقشة استيقظت ورتبنا الأمور كلها، أعددت قهوتي وحاولت أن أسترخي قدر الإمكان بدون الضغط على نفسي للتدريب مرة أخرى، خصوصًا أن المناقشة ٢ مساءًا. لاحقًا، ذهبت للمبنى المطلوب وبدأت بترتيب كل ما أريده، وأخذت بضع دقائق أمشي فيها وأدعي، بدأ الحضور بالقدوم وبعض الورد هنا وهناك، سميت بالله وبدأت. كل الأمور كانت على مايرام ورائعة بفضل الله وحده وتوفيقه، إعلان النتيجة والنتيجة بحد ذاتها، تجمدت للحظات، كم انتظرت هذه اللحظة؟ الحمدلله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، أعدنا كل شيء للمنزل وخرجت على الفور، الطقس رائع جدًا، اشتريت بضع بالونات وذهبت لمطعمي المفضّل للاحتفال، كم شهد هذا المكان على لحظاتي!

“الحمدلله كم بالفضلِ أكرمني
وفوق كُلّ الذي أرجوه أعطاني”

كان لديّ اجتماع بعد المناقشة بيومين لأحد الأوراق مع مشرفي، أرسلت له اعتذاري وأنني سأتوقف عن العمل عدة أيام لأستعيد فيها طاقتي، كان يومًا سعيدًا للغاية. حاولت بعدها أن أستجم وقد كان، وبعدها غلبّ عليّ النوم. كنت أنام بكل تعب كأنني لم أنم يومًا، كل دوافعي قررت النوم معي -كما أعتقد- أرسلت بريدًا وقتها لمشرفي أخبرته أنني أعمل على بعض التعديلات بكل بطء لأنني لا أعلم مالذي حدث لي، والذي من كلامه ومن بحثي لاحقًا اتضح لي أنّ الكثير من طلاب الدكتوراه يمرون فيه، ناهيك عن أنني درست المرحلتين متتاليتين، نعم كنت مجهدة لأقصى حد، ولم أعرف معنى الإجازة بالشكل الفعلي طوال الرحلة. كنت أعمل طوال الوقت، عدا بضع أيام سنوية، أخذها لنفسي. ولست أقول أنّ هذا أفضل قرارتي لكن هذا ماعملت، كان الإجهاد طبيعي وكل ما أمر فيه طبيعي كذلك. هناك أمور بسيطة ساعدتني مثل أنني طلبت لنفسي عدة هدايا صغيرة مختلفة وصلتني قبل المناقشة بعدة أيام وظللت أبتهج فيها بعد ذلك، لكن مرحلة مابعد المناقشة كانت مختلفة عمّا تخيلته.

كنت مرهقة بشكل لم أتخيله أو بما هو متوقع من شخص كان يؤجل كل تعبه قدر الإمكان خصوصًا في آخر ست أشهر من المرحلة، كل شيء فجأة ظهر على الطاولة، كل شيء كان ينتظر هذه اللحظة ليظهر، نوم وإرهاق شديد ودافعية قليلة للعمل، كنت أتعاطف كثيرًا مع ذاتي ثم أتعجب من عدم عودتي فورًا للعمل! وأعود من جديد للتعاطف، كما قيل لي شيء ما يشبه النابض -Spring Steel- حين تشده فوق طاقته لا يعود كما كان بالشكل ذاته ولا بالسرعة، كل شيء أخذ وقته من الضغط والجهد المزمن يحتاج وقته ليعود للوضع الطبيعي. وتستمر الحياة أليس كذلك؟ خلال هذه الفترة مررت بموقف عصيب، وخسرت بعده سيارتي والحمدلله على كل شيء. مما يعني خروجًا مقيدًا نوعًا ما وأقل بكثير. أضاف عليّ هذا العبء الكثير، خصوصًا ما حدث في الموقف نفسه و كنت أجهز وقتها العودة للوطن، بيع كل شيء أو الاستغناء عنه، الكثير من الترتيب والشحن وكل ذلك. وهذه من أكثر الأمور المليئة بالمهام، خصوصًا أنني منذ بدأت الدكتوراه قررت أنه لا بأس أن أبدأ بشراء قطع أريدها لي لاحقًا في الوطن، لذلك الكثير من الشحن مقابل الكثير من البيع، والكثير من التجارب والتطبيقات ومحاولة التفاوض، مع محدودية القدرة على التنقل وإنهاء المهام بسلاسة، كانت فترة مليئة جدًا بالمواقف المضحكة والغريبة في الآن ذاته. يمضي اليوم كله تظن أنك أنهيت كل شيء لتتفاجأ أنه مازال الكثير بانتظارك. الحمدلله على مضيها بسلام!

فترة مابعد المناقشة كانت غريبة بالنسبة لي، لأنني لم أظن يومًا أن هذا ما سيكون عليه الوضع. لم أعهد ذلك لا بالبكالوريوس ولا بالماجستير، لكن للأمانة الوضع مختلف هذه المرة. أولًا كنت أنهيت بفضل الله المرحلتين متتالية، برسالتين لكل مرحلة. ثانيًا، مدى الضغط في البرنامج كان عالي جدًا، تغيير الخطة على ماكانت عليه أرهقني تمامًا. وثالثًا، الجزئيات الجديدة بالرسالة أضفتها إلى آخر فصل دراسي، كنت أعمل وأكتب بدون توقف لفترات ممتدة وعلى هذا كنت أقلل من كل أمرٍ آخر لا يضيف لرسالتي بشكل مباشر للأسف. ورابعًا، العمل على ٣ أبحاث للنشر في الوقت ذاته كان ضغط إضافي مع كل شيء سابق. كل هذا وأنا لا أتحدث عن أي أمر شخصي، بينما الواقع أن هناك الكثير والكثير من المسؤوليات والأحداث الشخصية المهمة التي تحدث لأنّ الحياة تستمر بالحدوث مع كل مرحلة من مراحلنا. مع الغربة، وقلة التواصل الاجتماعي وأقول هذا وأنا شخص اجتماعي للغاية نعم! لكنني أعرف أني مقلّة بالنسبة لوضعي الطبيعي، ولكل هذا أسباب من اختلاف الوقت والمسؤوليات سواءً مع علاقاتي هناك أو هنا. كل هذه عوامل مؤثرة بشكل أو بآخر، تضيف للمرء أعباءً لا يعرفها سوى من عاشها. أقول هذا وأنا أرى ألطاف ربي في كل أمري، أقوله وأنا أشهد رحمته في أحلك أوقاتي، وكرمه في كل شأني، وفضله في كل أمري والحمدلله. لكنني بقيت فترة ليست بقصيرة، لا أريد سوى الراحة فقط ولا شيء آخر..تحدثت مع زميلاتي اللواتي سبقنني بالتخرج بفصل دراسي وسنة تقريبًا، تحدثت كذلك مع كادر التدريس في القسم ووجدت أنه كثير من التجارب تتشابه لخريجي الدكتوراه وعدت لأقرأ من جديد تجارب أخرى في Reddit لأتفاجأ بأنه أمر طبيعي جدًا للأغلبية ومرحلة يمر بها الكثير ويحتاج وقت لاستعادة ذاته لحدٍ ما!

احتفلنا بالقسم مع الزميلات قبل حفل الجامعة الرسمي بيوم، كان شعورًا بهيًا ومختلف، ورحلتي صبح اليوم التالي بالضبط! ابتهجت بكل دقيقة وخرجت لمطعم من مفضلاتي كذلك، وجبة لذيذة قبل توديع المدينة التي شاركتني كل شيء في السنين الماضية، كل سعي وحزن وفرح وإحباط ومحاولة كل شيء! ذهبت وعدت للبيت مشيًا، لقد حاولت توديع المدينة في الأيام الماضية مع زحمة الأشغال، قهوتي بالبلكونة، أماكني المفضلة، التقطت صورًا في زوايا كثيرة، وكتبت كل شعور أحمله لها. صباح يوم السفر حملنا كل شيء، واحتجنا لحقيبة إضافية ذهبنا سريعًا لشرائها وعدنا لتسليم الشقة والتوجه للمطار، حاولت عدة مرات طباعة التذاكر دون جدوى، لأكتشف أن الرحلة فجر غد وليس اليوم! نعم ضحكت كثيرًا لأنني لم أتخيل أبدًا أن أضع نفسي في هذا الموقف، استأجرنا في أقرب مكان وقضينا الليلة الأخيرة هناك قبل السفر.

لقد انتظرت لحظة العودة للوطن منذ بدأت دراستي للماجستير، لحظة أن يتمم ربي عليّ ماسعيت لأجله، أعرف أنّ الكثير يتغنّى بجمال الغربة وامتياز أن تمتلك فرصة الابتعاث، لكن الواقع فعلًا هو أنّ لكل منّا ظروفه الخاصة، أهدافه وعالمه الخاص فيه. كشخص مسؤول وبرنامجه الدراسي فعلًا مكثف بما تعنيه الكلمة، إجازاتي غالبًا توافق الإجازات الرسمية مابين الفصول الدراسية، ورغم وجود عدة أيام هنا وهناك إلا أنها لم تكن تأتِ على ما أتمنى فمتطلبات الدراسة لديّ تطغى على ذلك، ولست منزعجة بذلك. نعم هناك الكثير من الضغط طوال الفترة لكني تعلمت بأنّ عليّ التعامل مع ما أسعى إليه، ليس كل شيء ممهد ويسير وحالم وهذي طبيعة الحياة. حتى في الإجازات الرسمية غالبًا كنت أعمل على بحثي طوال الفترة، عدا بضع أيام هنا وهناك. لا أستطيع القول بأن ماعملته كان خيارًا صائبًا لكنه وفقًا لما كنت أسعى إليه فقد كان هو الحل الأمثل لحالتي -بنظري آنذاك- وقد كانت الآثار عليّ سيئة لاحقًا، مع ذلك كانت هناك فترات أفضل بكثير كل روتيني كان مختلفًا بالطبع، أريد التحدث عن هذا الجزء بإسهابٍ أفضل لاحقًا في آخر التدوينة.

تم بفضل الله الانتهاء من نشر الأبحاث لاحقًا هذه السنة، وقلت لنفسي أخيرًا هذا الفصل من المرحلة سنغلقه بإذن الله! الكثير من الأمور للتأقلم معها، والكثير من التفاصيل كذلك. والأهم، أن تستشعر نعمة تمامها بفضل من الله، عدت رغم كل تعب وألم ورغم كل دمعة وسهر عدت بتوفيق الله فله الحمد وله الشكر وله الثناء الحسن.

ماذا عن الاحتراق المهني؟ أو أيًا كان ما تفضّل تسميته، نعم مررت به عدة مرات على الأقل، ولم أكن بأفضل حالاتي وقتها لكنني أعرف أنني أهملت في نمط حياتي وقتها. وبصراحة، الحفاظ على وضع طيب أسهل بكثير من العودة للطبيعي بعد كل مرة أقع فيها بذلك.

الفترات الأكثر استقرارًا بالنسبة لي كانت التي لم أحافظ فيها فحسب على أكل ونوم جيدين ولكن على الحركة وأقلها المشي في الهواء الطلق، بالإضافة للجانب الاجتماعي وأن يكون على الأقل مايعادل مرتين لثلاث مرات بالأسبوع أيًا كانت لقاءات قصيرة أو حضور أنشطة معينة، كل ذلك كان يساعد جدًا ويمنحني شعور أفضل وبالتالي إنتاجية وكفاءة ممتازة بالنسبة للأيام التي أهملت فيها كل ذلك. نعم، كانت هناك مرات أعمل لأوقات طويلة أثناء الاحتراق ولكن بمزاج مرهق ومتعب جدًا وبالتالي تركيز أقل وتوتر أعلى. لماذا يتكرر هذا النمط؟ لأنه مع الضغط في كل مرة أخبر نفسي بأنني فقط هذا الأسبوع سأفعل ذلك ثم أجد أن المدة امتدت بدون شعور مني لعدة أسابيع متتالية!

هناك مشاعر سعيدة ومبهجة جدًا في كل مرة تقدم فيها عمل ممتاز، أو تتلقى فيها ثناء لم تتوقعه، وبالمقابل هناك مشاعر موحشة وسيئة جدًا، شدة اليأس وقوة الإحباط والشعور بأن الاستسلام مخرجًا أفضل. رغبتك في أن تكون وسط من تحب، أن تحضر مناسباتهم وتحتفل بهم، وشعورك بأنّ الطريق طويل والوقت بطيء ولا شيء يتحرك.. نعم هناك مشاعر سيئة وتتكرر كما المشاعر الجيدة، وهناك الكثير مما شاركناه ومالم نتمكن يومًا من مشاركته. أرجو أن تصل رسالتي هذه لكل شخصٍ ساعٍ، لست وحدك. الرحلة ليست خط مستقيم، ولا أمرها هين وهذه طبيعة بعض الأمور.

بشكل عام هناك عدة أمور كررتها عدة مرات لكنها ساعدتني كثيرًا في كل شيء من نواحي مهنية أو شخصية خلال فترة ابتعاثي عامة:

  • السؤال: كل سؤال يخطر ببالي كنت اسأله بكل بساطة، ساعدني ذلك في الدراسة في النقاشات بشكل عام وفهم المعلومة بشكلٍ أفضل. بل ومرات عديدة ساعد في علاقتي مع طاقم التدريس لمجرد أنني كنت فضولية في فهم شيء ما!
  • تقبل الخطأ كجزء من النفس البشرية: لا بأس بكل خطأ نتعلم منه، كل البيئة التعليمية التي حظيت بها كانت تريني ذلك وتعلمني إياه، كل شخص كان يخطئ ويعتذر عن الخطأ بمجرد إدراكه، طبيعي جدًا ولا أحد منزّه.
  • تجربة واكتشاف اهتمامات جديدة خلال المرحلة، اهتمامات تعرف فيها نفسك أكثر، تستمتع فيها وتغير من مزاجك. كل هذا لا يعود بشكل جيد عليك فقط بل حتى على إنتاجيتك.
  • حسن الظن بالله في كل وقت وكيفما كان الوضع، والله كلما ضاقت طمأنت نفسي بذكره، إيمانًا ويقينًا بكرمه. وهذا الجانب في كل مرحلة كان مريحًا لي، يذكرني بضعفي ويجعلني أطلب معية الله أكثر.
  • الوقت المناسب لأخذ وقت مستقطع: في كل مرة فعلت ذلك عدت لمقعدي بفاعلية أكثر وإنتاجية أفضل، وكل مرة تجاهلت هذا الصوت أخبرتكم مالذي انتظرني في آخر المطاف.
  • روتين يومي/أسبوعي قدر الإمكان: وجود أنشطة معينة أو التنزه بأماكن معينة وإضافة أمور غير معتادة كنوع من إلزام نفسي بتغيير الجو والترويح عن الذات.
  • المحاولة من جديد: في كل تجربة لا تعطي المأمول، كل باب يغلق أمامك، هناك محاولة جديدة تستحق وقتك وجهدك.
  • تكوين العلاقات باستمرار مهم ومفيد في العمل وعلى صعيد شخصي. هذه قاعدة تبنيتها من فترة طويلة، لكن خلال الابتعاث تفرق كثير، البعض ينهي دراسته، أو تلتقيه بمادة وحدة، أولاتتصادف أوقاتكم بشكل كافي. وجود علاقات مختلفة ومتعددة يخفف عليك ثقل الرحلة، سواءً علاقات في تخصصك أو مع المبتعثين كذلك.
  • التوقف عن وسائل التواصل فعلت ذلك عدة مرات، ولفترات طويلة وممتدة. يساعدني على التركيز أفضل، لا تعي ذلك إلا بعد تجربته.
  • الاحتفال بالخطوات الصغيرة، كوب قهوة في مكان تحبه أو عشاء لذيذ أي نوع من التعبير تجاه نفسك هو أمر رائع، ونوع من إشعارها بأن لجهدها نوع من المكافأة.

ماذا بعد؟ تقبل عدم الوضوح في الرحلة ليس بسيطًا، لكنه في الواقع أمر لا بد منه. لا نملك من الأمر شيء وهذه حقيقة الدنيا كلها، أعتقد هذا النوع من التقبل متى ما أصبح وقعه أخف عليك، هانت عليك أمورًا كثيرة.

الشعور بالذنب أو شعور أنّ عليك أن تكون منتجًا في كل وقت هو شعور متوقع لشخص لديه الكثير من المهام، وأشعر أن هذا قد يختلف حسب البرنامج، كشخص برنامجه بين المواد والرسالة ومتطلبات المواد كثيرة ومختلفة هذا الشعور معتاد للغاية وكأنّ ساعة الفراغ التي تأتيني بين كل فترة وأخرى هي شيء خاطئ رغم عاديتها. بالنسبة لإجازتي وكونها محدودة جدًا خلال السنة فقد كنت لا أجعل فيها لهذا الشعور مكان للأمانة!

مع ذلك هناك أمور لم أتنازل عنها بشكل كلي، اهتماماتي الخاصة دائمًا متواجدة لا أحاول الغياب عنها بشكل كلي لفترات طويلة، ولا أستطيع تخيل ذلك.

أخيرًا، خلال فترة الماجستير تعرفت على أنواع جديدة من المشاعر، وتعلمت خلالها كيف أتعامل مع متلازمة المحتال Imposter syndrome، فلا للمقارنة مع أي أحد، لا أعلم الظروف ولا القدرات ولا أي شيءٍ آخر، لا للمقارنة من منشورات ولا من حديث أحدهم فلكل شخص طريقته في تصوير نفسه وعمله. أيضًا أحاول حقيقة تذكّر الليالي والأيام اللي سهرت فيها، عملي المستمر لساعات بلا توقف وكل مناسبة كنت بعيدة عنهم للعمل فيها، كنت أصوّر من فترة لفترة مكان عملي وقت الضغط ومكتبي وكل ملاحظات مشرفي التي أعمل عليها، كل ذلك يساعدني على فهم أنني أعمل باستمرار ولا داعي لنسيان ذلك! كتبت لنفسي عن كل شيء وكل فترة مليئة بالعمل لأقرأها كلما راودتني هذه الأفكار.

حاولت أن أضيف كل شيء قدر الإمكان هنا، وسأضع تدوينات عن الابتعاث من الصفر هنا، بداية بالبحث عن قبول، مابعد الوصول، والأسئلة الأكثر شيوعًا. وشخصيًا، أنا في مرحلة التأقلم لما بعد الابتعاث، دعواتكم

ماذا عن تجاربكم؟ هل هناك أمور تفضلون الحديث عنها ولم أتطرق لها؟ شاركونا!

المقالة السابقة
أضف تعليق

أضف تعليق

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

  • الأرشيف

  • مدوّنات أخرى

  • Goodreads